"الإسلام كبديل"..رؤى من شبه القارة الهندية قراءة في مجلة راديانس فيوز ويكلي
الكاتب : أمل خيري
عدد القراءات : 2034

منذ صدور كتاب "الإسلام كبديل" للدكتور مراد هوفمان الذي تمت ترجمته للعديد من اللغات، لم تهدأ الضجة التي أثارها الكتاب في الغرب رغم محاولة هوفمان طرح رؤيته بعقلانية، إلا أن أهمية الكتاب الحقيقية تتجلى في صدق توقعاته بأن يسود الإسلام العالم، وهذا ما لمسناه في أعقاب الأزمة المالية العالمية، حيث اتجهت فرنسا وغيرها من الدول الأوربية لدراسة نظم الاقتصاد الإسلامي، وطرح البعض فكرة الاقتصاد الإسلامي كبديل، ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد فقط، بل امتد ليشمل بعضًا من مناحي الحياة.

وهذا ما دعا مجلة راديانس فيوز ويكلي لأن تصدر عددها الأسبوعي الخاص بعنوان "الإسلام كبديل"، والذي يضم باقة من المقالات المميزة حول البديل الإسلامي للعولمة، والاقتصاد والتمويل، والسلام والازدهار، والبدائل التي وضعها الإسلام لمواجهة المشكلات الصحية والاجتماعية والبيئية وغيرها من مجالات الحياة.

صوت المسلمين في الهند

تصدر مجلة راديانس الباكستانية باللغة الإنجليزية عن مجلس المنشورات الإسلامية منذ يوليو 1963، بهدف إزالة سوء الفهم السائد عن الإسلام وعرض رسالته الحقيقية ونشر تعاليمه، وبغرض الإصلاح الديني والاجتماعي، والتوجيه السليم للمسلمين في ضوء مبادئ الإسلام، ومواجهة الدعاية غير المسؤولة والكاذبة ضد المجتمع المسلم، وإيقاظ الضمير الاجتماعي للمجتمع فيما يتعلق بالصعوبات والمشاكل من خلال تقديم وجهة نظر إسلامية عادلة، وتوعية الرأي العام بالتغاضي عن العنف والتعصب للنعرات الإقليمية واللغوية والطائفية لصالح النظرة الإنسانية والوطنية، كما تحاول المساهمة في القضاء على التحلل الخلقي والفساد والشرور الاجتماعية الأخرى، وتعد مجلة راديانس صوت المسلمين في الهند، ونجحت في تقديم تحليلات حرة وصريحة للأحداث في إطار من النقد البناء، ويعتمد عليها كثير من العلماء في الغرب كمصدر حقيقي لمعرفة الإسلام.

بدأ العدد بمقتطفات من كتاب "الإسلام كبديل" لمراد هوفمان، والذي أكد فيه على أن الغطرسة الأوربية جعلت الغرب يقدم نفسه على أنه النموذج العقلاني الوحيد الذي يجب أن يسود العالم على الرغم من الفظائع التي ارتكبها الغرب، سواء في الحربين العالميتين أو المذابح الدموية المتعددة التي ارتكبها النازيون أو الفاشيون أو التطهير العرقي الذي جرى في العديد من أنحاء العالم، سواء في البوسنة والهرسك أو في الاتحاد السوفيتي السابق، فما زالت القناعات كما هي، إلا أن الإسلام وحده هو الذي يصلح أن يقدم البديل لهذه الحضارة البهيمية، فهو وحده البديل الصالح للتعامل مع مشكلات العالم في القرن الحادي والعشرين.

العولمة والبيئة

في مقال للدكتور إقبال حيدر رئيس قسم اللغة الإنجليزية بجامعة بريستون حول الإسلام والعولمة يطلب حيدر من المسلمين أن تكون استجابتهم للعولمة إيجابية، بحيث يستفيدون من الفرص التي تتيحها، وفي الوقت نفسه عدم التضحية بالأصول الأساسية للإسلام.

فالعولمة كلمة طنانة توحي بالكثير من المعاني الإيجابية، وتقدم رسالة مفادها أن جميع المجتمعات في العالم قرية واحدة، لذا لا بد من التكاتف بين جميع سكان العالم، إلا أن المصطلح يرتبط في الأذهان ارتباطا قويا بالاستعمار والهيمنة الغربية، ويمكن بالفعل اعتبار الاستعمار شكلا من أشكال العولمة، غير أن العولمة أكثر دقة من الاستعمار فهي تشمل سياسات السوق الحرة في الاقتصاد العالمي، والهيمنة الغربية المتزايدة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وبطبيعة الحال تم الترويج للعولمة عبر تكنولوجيا الاتصال الحديثة.

واعتبر حيدر أن تخوف المسلمين من العولمة أو مرادفتها كالأمركة أو التغريب هو أمر مبالغ فيه، فالله قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم القيامة، وهو الذي سيحمي الهوية الإسلامية ويجعلها راسخة في أذهان المسلمين، فلا يوجد دين يقوم على مثل هذه الركائز الثلاث التي يقوم عليها الإسلام وهي القرآن والسنة وأفعال الصحابة.

صحيح أن الاستعمار والحداثة في الماضي كانت وبالا على المسلمين، إلا أن العولمة في الوقت الراهن أيضا لها إيجابياتها، فقد سهلت وصول المسلمين إلى إخوانهم المقيمين في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والنجاح في تقديم الدعوة إليهم، كما وفرت وسائل الإعلام الحديثة فرصة أكبر للشعور بمفهوم الأمة من أي وقت مضى.

ويناقش محيي الدين سلطان أهم تعاليم الإسلام لضمان حماية البيئة، معتبراً أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أشار لأهمية الحفاظ على التوازن الأيكولوجي، فكلمة الأرض وردت 485 مرة في القرآن الكريم، واعتبر الله الإنسان خليفته في الأرض، وكان من جراء قبول الإنسان للأمانة التي عرضها الله أن يكون مستأمناً على هذا الكون، بحيث تصبح مسئولية البشر الحفاظ على التوازن الطبيعي من خلال التعامل السليم مع موارد البيئة.

الاقتصاد البديل

تحت عنوان "المالية الإسلامية: البديل الأخلاقي للمالية التقليدية" كتب عبد الرقيب عبد المالك الأمين العام للمركز الهندي للتمويل الإسلامي مقاله حول تعاظم دور الصيرفة الإسلامية والتمويل الإسلامي في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

حيث يقوم التمويل الإسلامي على عدة مبادئ من أهمها تحريم الفوائد على إقراض المال (الربا)؛ لأن المال مجرد وسيط للتبادل، وتحريم المضاربة لما تنطوي عليه من غش وتضليل، وحظر تمويل الديون والمشتقات، وتحريم الاستثمار في الأنشطة الضارة للمجتمع كالمقامرة والكحوليات، كما يقوم على إبراز أهمية المشاركة في الربح والخسارة.

وأوضح عبد الرقيب أهم الصيغ الشائعة للتمويل الإسلامي، ومن بينها المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة والاستصناع، كما أكد على ضرورة توزيع الثروة بطريقة عادلة، بحيث لا تتركز في يد أقلية؛ لذا كان تشريع الزكاة وتشجيع الأوقاف والقرض الحسن.

الرفاه الصحي

ومن الاقتصاد إلى الصحة حيث يكتب الدكتور جميل جاويد رئيس المركز الدولي للإسلاميات التطبيقية رئيس تحرير مجلة "الإسلام والمسلمون في العالم" عن النظام الإسلامي البديل للصحة، وذلك بفحص التعريفات الحالية للصحة وتحليلها ليخرج بنتيجة أن الإسلام هو النظام البديل الأكثر شمولا الذي يضمن اكتمال السلامة البدنية والعقلية والروحية والرفاه الاجتماعي للمجتمع.

فالأطباء في الغرب صاروا عبيداً للرأسمالية، فهم يجرون البحوث التي تؤكد خطورة التبغ والكحول على صحة الإنسان، لكن نجد منهم من باع ضميره؛ ليشارك في إعلانات مدفوعة الأجر، ربما ليقول إن الكحول يقوي القلب، بل إن كثيراً من الأطباء يدمنون التبغ والكحوليات، رغم أن الكحول يقتل الملايين من البشر سنوياً، ويؤدي لمشكلات اجتماعية كالطلاق والقتل والاعتداءات، كما تروج ثقافة الرأسمالية لضرورة مشاركة المرأة في تناول التبغ والكحول كمعيار للمساواة بينها وبين الرجل.

ويحلل جاويد التعريفات الدولية المعتمدة لمفهوم الصحة بما فيها تعريف "منظمة الصحة العالمية" وهو ينص على أن "الصحة حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً، والرفاه الاجتماعي، وليس مجرد غياب المرض أو العجز"، ويستنتج أن هذه التعريفات تجعل مسئولية الحفاظ على الصحة تقع على عاتق الأفراد أنفسهم لا على الأسرة أو المجتمع، كما أنها تغفل الجانب الروحي والاجتماعي، أما موقف القرآن فيشير لتعريفات أكثر شمولا للصحة تضم الصحة الإنجابية وصحة الطفل والأسرة...

فهناك إشارات حول الغذاء الصحي والأغذية المحرمة، وحول النظافة الشخصية، والممارسات غير الصحية المحرمة كالخمر والزنا واللواط، ويهتم بالصحة العقلية والروحية كالدعوة للصبر (الثبات وضبط النفس)، والحث على التطهر من النجاسات والاغتسال، ولم يغفل القرآن حقوق الطفل منذ الحمل وحتى الولادة والرضاعة.

ومن كل هذه الآيات يمكن استنتاج ما يلي:

• أن الصحة في الإسلام ليست كياناً مستقلاً، بل هي أحد المكونات الأساسية للسلام على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.

• في الإسلام هناك ثلاثة مستويات من الجماعة: الفرد والأسرة والمجتمع، وكل منها له نفس الأهمية، ولا يمكن التضحية بحقوق أو مصالح أحدهم لحساب الآخر.

• أن مراتب الأعمال في الإسلام تتنوع بين المباح والواجب والمحرم والمكروه، وهذا التصنيف يجعل الإسلام أكثر النظم علمية ومرونة.

ويختتم جاويد مقاله باقتراح تعريف إسلامي للصحة مفاده: أن "الصحة هي حالة من اكتمال الرفاهية البدنية والعقلية والروحية والاجتماعية، التي يجب أن تصان ليس فقط من خلال الحفاظ على الصحة على المستوى الشخصي والفردي، ولكن أيضا من خلال إنشاء أسرة صحية وقائية وتعزيز نظام الحماية الصحية الاجتماعية".

السلام الاجتماعي

في نفس العدد يكتب عبد المجيد جعفري مقالاً بعنوان "الإسلام: الحل الوحيد القابل للتطبيق لمشكلات تفكك المجتمع"، يتحدث فيه عن أهمية الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية في المجتمع، وتماسكها أو تفككها هو مفتاح تماسك أو تفكك المجتمع، وفي الغرب تكمن عوامل تحلل الأسرة في الإباحية والتحرر الجنسي والاختلاط، مما أدى لانتشار الأمهات العازبات، والعلاقات غير المشروعة، والطلاق، وحمل المراهقات، وغيرها.

ويكشف جميل الفاروقي عن دور الإسلام في بناء الحضارة وتحقيق ظروف معيشية أفضل للبشر، فكفل للإنسان حريته، لكنه وضع ضوابط لها بحيث يراعي حقوق الآخرين والكرامة الإنسانية، فيعتاد المسلم على ضبط النفس والالتزام بالحدود، مما يؤدي لإثراء الإنسانية والازدهار والسلام الاجتماعي والاستقرار السياسي.

والمساواة من القيم التي يحث عليها الإسلام، ومن شأن هذه المساواة أن تحقق السلام على الأرض، فلا توجد فئات مهمشة أو محرومة، ولا يستأثر الأغنياء بالثروات ويحرم الفقراء والضعفاء، وبهذا يضع الإسلام أسس حضارة متميزةً ونظاماً متكاملاً يشمل جميع أوجه الحياة البشرية على أرقى مستوى من الفضائل والأخلاق والقيم، ويضمن رفاه الإنسان الروحي والمعنوي، لذا فالإسلام هو البديل للحاضر والمستقبل للعالم.

وعلى نفس المنوال يدعو شميم صديقي في مقاله المسلمين للعب دور نموذجي في حياتهم الفردية والجماعية، فالفرد لا يعيش معزولا عن مجتمعه؛ لذا يؤكد صديقي على مصطلح "ولي حميم"، فيدعو المسلم للتعايش مع إخوانه وفق هذا المفهوم ليعم السلام المجتمع.

من النظرية للتطبيق

أما عن كيفية اتخاذ الإسلام كبديل فيضم العدد عدة مقالات تدور حول الخطوات التي يجب أن يتخذها المسلمون؛ لتفعيل هذا البديل، فيكتب سرور أحمد "الإسلام يمكن أن يكون البديل ولكن... "، حيث يعتبر أن إصرار المسلمين على الفهم الخاطئ للإسلام على أنه مجرد طقوس تعبدية لا يساهم في طرح الإسلام كبديل؛ إذ لا بد من تفعيل الإسلام في جميع مناحي الحياة خاصة في السلوكيات والأخلاقيات، فما معنى أن نحرص على بناء المساجد الفاخرة ذات القباب الذهبية ونترك المسلمين ضحايا الكوارث الطبيعية كالفيضانات والسيول والزلازل في أحضان المبشرين، وما المانع أن يشارك المسلمون في جهود الإغاثة حتى لغير المسلمين؛ ليقدموا صورةً مشرقةً للإسلام، صحيح أن الإسلام هو البديل، لكنه يتطلب عملاً شاقاً ومزيداً من التفاني والجهود الفردية والجماعية.

ويؤكد مقبول سراج في مقاله: أن شعار الإسلام كبديل لن يكون جديا بدون إزالة العقبات من طريق الأمة الإسلامية، فانتشار الإسلام لا يعني زيادة أعداد المنتسبين للإسلام وهم في نفس الوقت مفتونون بالثقافة الغربية، بل لا بد للأمة أن تستعيد مكانتها ودورها الحضاري، وأن تحتفظ بعلمائها ومبدعيها داخلها لا أن تتركهم يهاجرون للغرب يستفيد من إبداعاتهم، ونظل لسنوات عديدة لا نسمع عن اختراع إسلامي واحد، فقد حان الوقت لاعتبار مفهوم "الأمة" هو الحل الذي يقدم الخلاص للإنسانية من البؤس والشقاء.

ولم تتجاهل المجلة أيضاً دور المرأة في تفعيل الإسلام كبديل، فتكتب أوصاف سيد وصفي عن أن الإسلام هو البديل للمرأة، وأن المرأة لعبت أدوارًا فاعلة في تاريخ الإسلام، فأول من أسلم لم يكن رجلاً بل كان امرأة، ومما يثير الدهشة أن أربعة من كل خمسة أشخاص اعتنقوا الإسلام في الولايات المتحدة هن نساء، وتظهر استطلاعات الرأي أن النساء الأمريكيات يستجبن للإسلام؛ لأنه يعطي المرأة الكرامة والمساواة واحترام الذات، ولأنه يقدم الحلول الإيجابية لكل مشكلات المجتمع.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة