اسباب ما نعمل
عدد القراءات : 1782

السيدة الأرمنية العجوز التي تسكن معنا في الدور الأرضي من المنزل أزمعت النقل إلى منزل آخر على مقربة من الحي، وهي واقفة على الباب تراقب الحمالين وهم ينقلون الأثاث ويرتبونه.

ولابد من كلمة تحية ومجاملة في الطريق، فوقفت وسألتها: إلى أين يا سيدة ؟ وما الذي أغضبك من منزلنا ؟ قالت: قسمة !. قلت: ألعلك وجدت مسكناً خيراً منه في هذا القيظ ؟ قالت: لا. بل هي آخر قسمتنا فيه، وإنما هي كما تقولون أعتاب وأيام ! سبب امرأة !.

نعم، فقد تعودنا حين نسمع أمثال هذه الأسباب التي لا تعليل فيها أن نبتسم ونصرف الحديث قائلين: سبب امرأة، أو هو سبب من الأسباب التي لا يقنع بها غير النساء، والمتفق عليه بيننا معشر الرجال أن أسباب النساء هي الأسباب التي لا تعطيك تفسيراً ولا تزيدك علماً بعلة ما يصنعن وما يتركن، فإذا سألت امرأة: لم صنعت هذا؟ أو لم لم تصنعيه؟ فأغلب ما يكون الجواب: هكذا! أو هل تراني عارفة؟

هذا، أو تعطيك جوابين نقيضين لتعليل العمل الواحد.

فقد رووا أن رجلاً صحب زوجته إلى متجر الملابس لينتقيا حلة تعجبها. فاختار لها لوناً من الحرير عرضه عليها، فصاحت به: ما هذا؟ إن جميع الناس يلبسون منه... واختار لها لوناً آخر فصاحت به الصيحة الأولى: ما هذا؟ إني ما رأيت قط أحداً يلبسه ! .

فكان السببان النقيضان عندها صالحين لتعليل العمل الواحد وهو الإحجام عن شراء الحلة المعروضة عليها.

لكن جهل الأسباب في الواقع غير مقصور على النساء، وكذلك هذا النمط العجيب من التسبيب.

سعيد وإبراهيم وإسماعيل ثلاثة أخوة صغار يلعبون أمام المنزل في معظم الأحيان، أكبرهم في التاسعة وأصغرهم في نحو الخامسة؛ فهو لا يذهب إلى المدرسة أو لا يريد أن يذهب إليها.

لقيته يوماً يلعب مع غير أخوته فسألته:

ماذا تصنع يا إسماعيل؟

قال: لا أصنع شيئاً.

قلت: لكني أراك تلعب، فأين ذهب أخواك؟

قال: إلى المدرسة؟

قلت: ولم لم تذهب أنت معهما؟

قال: هكذا !

قلت: هكذا؟ هكذا كيف؟

فأعادها مرة أخرى، وأدركه طفل أكبر منه بالجواب، فقال: إنه صغير! وهو على كل حال جواب يحسن السكوت عليه.

قد يقال: وأسباب الأطفال أيضاً هي أسباب النساء.. !.

لكن الواقع أن جهل الأسباب على هذا النمط غير مقصور على النساء والأطفال، وأن أناساً كثيرين بعضهم متعلمون وبعضهم غير متعلمين يجهلون أسباب ما يعملون وأسباب مالا يعملون، وتسألهم عن أمر من الأمور التي تقوم عليها الحياة وتتصل بها الأرزاق، فلا يعطونك سبباً، أو يعطونك سبباً قلما يغنيك عن التعليل.

أعرف أسرة من الأذكياء المتعلمين ينتقلون من منزل إلى منزل كل ستة شهور أو كل سنة على أبعد أجل، ويحيل أحدهم على الآخر في بيان أسباب الانتقال، فهذا المنزل كرهه فلان، وهذا المنزل انتقاه فلان، وآخر ما يقال في تهوين هذه المشقة وتهوين ما يتبعها من خسارة ونفقة:

وما الفرق بين بيت مستأجر وبيت مملوك إن كان الإنسان لا يتنقل بين البيوت ؟

ومن الواضح أن الإنسان لا يزعج نفسه وأسرته بالانتقال وتحطيم بعض الأثاث وتجديد بعضه على حسب تنظيم المسكن الجديد لغير شيء إلا أن يجد الفرق بين البيت المستأجر والبيت المملوك، أو أن ينفس على شخص واحد أن يتقاضاه الأجر زمناً طويلا فيفرقه بين أشخاص متعددين.

فلا بد من سبب ولا بد من باعث، ولكننا نحن الآدميين جميعاً نعمل ولا نكلف عقولنا تبيين أسبابها، وإن كنا نبالغ في سؤال الآخرين عن الأسباب!.

وقد يسهل على الأكثرين أن يعرفوا أسباب ما يعملون إذا استقصوا هذه الأسباب. أما الذي يصعب على الأكثرين فهو عرفانهم أسباب مالا يعملون، كأنما يحسبون أن الإنسان يترك جميع الأعمال لغير سبب، أو أنه لا يحتاج إلى الأسباب إلا عندما يعمل شيئاً أو يشرع في عمل شيء، فأما أن يكف عن العمل أو عن الشروع فيه فذلك طبيعة لا تحتاج إلى سؤال.

هذه حالة إذا أفرطت من إحدى جهتيها انتهت إلى الإباحية التي تتساوى عندها جميع البواعث والدواعي، أو إلى الإباحية التي وصفها ابن المعتز في قوله:

قليل هموم القلب إلا لذة *** نعّم نفسا آذنت بالتنقل

يعب ويسقي أو يسقى مدامة *** كمثل سراج لاح في الليل مشعل

ولست تراه سائلاً عن خليفة *** ولا قائلاً من يعزلون ومن بلى

ولا صائحاً كالعير في يوم لذة *** يناظر في تفضيل عثمان أو علي

وهي حالة قريبة مما نراه من قلة المبالاة أو قلة التمحيص أو قلة (التدقيق) -على حد تعبير أبناء البلد - عند أناس كثيرين في العصر الحاضر يعملون وينظرون إلى غيرهم يعمل ثم لا يسألون ولا يفكرون... وهذا إن كانوا يعملون وينظرون.

أما إذا أفرطت هذه الحالة من جهتها الأخرى فنهايتها إلى الوسواس والمراجعة في كل شيء والمحاسبة على أهون الأمور، والتردد بين الخواطر حتى لا إقدام ولا إحجام ولا فائدة من الإقدام والأحجام.

إنما الحد القوام بين هذا وذاك أن يكون المرء قادراً على تعليل عمله والنفاذ إلى باطن مشيئته، لأنه متى قدر على ذلك استولى على زمام نفسه، وقبض على سكان سفينته في زعازع هذه الحياة. فمن عرف لماذا يعمل عرف كيف يجتنب العمل إذا وجب عليه اجتنابه..

وعرف كيف يقنع به غيره إذا حسن عنده إقناعه..

وعرف كيف يصنع على مثال أجمل وأكمل إذا لاحظ تقصيراً فيه..

وكذلك من عرف لماذا لا يعمل شيئاً من الأشياء، فإنه خليق أن يروض نفسه على عمله متى عرف سهولة المانع أو عرف ما فيه من مؤاخذة ونقيصة، وخليق أن يفهم دواعي الأحجام عنده فيعالجها بما يصلحها أو يقربها إلى الصلاح.

بعض علماء النفس ينصحون طلاب الرياضة النفسية بتسجيل المذكرات اليومية، لإثبات أعمالهم وقياس الفارق بين أمسهم ويومهم.

والذي نراه أن تسجيل المذكرات اليومية لا يجدي جدواه ما لم ينته إلى مساءلة النفس عن بواعثها ودواعيها.

فليجرب من شاء أن يختار حادثة من حوادث الحياة كل يوم يسأل عن سببها، ويستقصي دخائلها، ويصمد على ذلك شهراً واحداً ثم ينظر في نتيجة هذه الرياضة، فإنه واجد لا محالة أنه يتقدم في طريق القدرة على النفس والقدرة على الحياة، وأنه يصبح يوماً بعد يوم سيد نفسه ومالك قياده، وتلك بغية الرجل الكامل في الثقافة وفي الرياضة وفي الآداب والأخلاق.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة