بشار يجدد العهد لـ"إسرائيل" بـ"تل الزعتر" السورية
الكاتب : أمير سعيد
عدد القراءات : 1503

لم يكن القصف الذي شنته "إسرائيل" على حيي التفاح والزيتون ورفح بغزة خلال اليومين الماضيين بطائرات إف16 أقسى من ذاك الذي شنته زوارق النظام الصهيوني المستبد في دمشق على مخيم الرمل لللاجئين الفلسطينيين باللاذقية، بل لا يمكن مقارنتهما سوياً؛ فالأول أسفر عن ارتقاء شهيد؛ فيما الثاني يحصد العشرات ويهجر أكثر من خمسة آلاف فلسطيني في الشتات تهجيراً آخر، اعتاد عليه نظام الأسد الأب من قبل.

يغازل بشار عدو فلسطين حلفاءه في "إسرائيل" بتهجير نصف سكان مخيم الرمل، يستبقي العهد قائماً، ذاك الذي قطعه الأب حافظ الأسد والوعد لبني صهيون بأنه سيكون شرطيهم للأبد، وحارسهم "الأمين" في بلاد الشام كلها وفقاً لاستراتيجية تفطن لها الأوروبيون و"الإسرائيليون" معاً، بالعهد إلى الأقلية بحكم الشام.

وفي العقل الباطن الأوروبي يتجلى الخلاص من ذاكرة الحروب الصليبية بكل إخفاقاتها الأوروبية في ضرورة تغيير قواعد اللعبة، وتحريك الأقليات في الشام لتلعب دوراً جديداً.. يتلاقى الحلم مع إرادة "إسرائيلية" تتبناها واشنطن.. "حافظ الأسد لابد أن يصبح رجلنا في المنطقة"، "ولتطفُ الأقليات على سطح الأحداث وتشكل حزاماً آمناً حول "إسرائيل"".

أفرغ الجولان من قسم من سكانه الأصليين، وأفرغ الجنوب اللبناني من جزء من سكانه الأصليين، إضافة للفلسطينيين الذين أجلوا منه برعاية واضحة من الرئيس الراحل المجرم حافظ الأسد، قامت حرب المخيمات، وضرب الفلسطينيون في مقتل على يد الأسد الأب.. وفي مثل هذه الأيام وقعت إحدى أكبر المذابح في تاريخ الفلسطيني واللبناني.. قبل خمس وثلاثين سنة، تحديداً في 12 أغسطس، وفر حافظ الأسد حماية وإسناداً للميليشيات "المسيحية" التي حاصرت مخيم تل الزعتر الذي كان يضم 35 ألفاً من المسلمين السنة، 20 ألفاً منهم من الفلسطينيين والبقية من اللبنانيين؛ فارتكبت مجزرة في هذا اليوم أسفرت عن استشهاد نحو ثلاثة آلاف بعد أن حصد الموت الكثيرين بسبب العطش وقلة الغذاء والاستشهاد على مصادر المياه.. أمطروا الفلسطينيين واللبنانيين حينها بنحو 55 ألف قذيفة سهلت القوات السورية وصولها لأيدي إرهابيين "مسيحيين".. وفي الذكرى يمطر الابن مخيم الرمل الفلسطيني باللاذقية وحيي الرمل والشعب اللذين يقطنهما السنة بقذائف من سفن حربية ومن البر أيضاً.

لقد قدم الأسد الأب أكبر خدمة للكيان الصهيوني في عشرات السنين، وحقق باقتدار دوره المرسوم كشرطي الشام الذي يلجم المقاومة الفلسطينية واللبنانية السنية، ويساهم في تدعيم قوة الأقليات الطائفية والدينية في كل ربوع الشام وتنصيب حكوماتها في لبنان، واستئناس المقاومة الفلسطينية وضرب بعضها بعضاً.. والابن سار على الدرب، وهو الآن يستخدم ميليشيا الجبهة الشعبية (الفلسطينية جناح العميل أحمد جبريل) التي يقدر مسلحوها بالآلاف في جهود تأديب "السنة" في سوريا الثائرة، (وهنا استخدام تعبير "السنة" ليس طائفياً بل لتوصيف الأحداث بدقة ووضع النقاط على الحروف؛ فالنظام السوري الأب والابن لم يستهدفا طوال حكمهما سوى "السنة" من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين بمجازرهم المتوالية التي تستنكف "إسرائيل" بكل وحشيتها عن ارتكاب نظائرها ـ على الأقل في الوقت الراهن ـ تجنباً للتصعيد غير المحسوب العواقب).

 والذي يجعل "المجتمع الدولي" متمسكاً ببقاء نظام الأسد (بغض النظر عن بشار نفسه) ليست رغبته في منع حصول حرب إقليمية فقط، بل إذ هذا لم يكن ممكناً أيضاً حينما وقف جنود جورج بوش الابن على أعتاب سوريا في العام 2003 مهددين نظامها كلامياً من دون أن تكون لديهم رغبة أبداً في إطاحته، لا هم ولا "إسرائيل" التي لا تخفي خشيتها من غياب نظام الأسد الطائفي يوماً ما، وكلاهما ـ أعني الولايات المتحدة و"إسرائيل" ـ لم يكن في وارد تغيير النظام السوري بالقوة مهما تهيأت الظروف وانتفت أي حجة عسكرية "وهمية"، مثلما كان الحال في أعقاب غزو العراق.. حينها لم تكن إيران قادرة على كبح جماح واشنطن لو أرادت الأخيرة، والأمر بالمثل بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، والذي أخطأ السادات خطأ فادحاً ـ في تقديري ـ عندما ظن أن عليه تطوير الهجوم عليه في حرب رمضان لاعتبار أن دمشق ذاتها كانت مهددة ومزيداً من المناطق السورية ستصبح محتلة، إذ لم يكن في وارد الافتراض أن تفقد تل أبيب نظاماً مثالياً و"شقيقاً" كنظام الأسد الأب إذا ما احتلت سوريا أو أجزاء منها بخلاف الجولان؛ فالدور الوظيفي الاستراتيجي الذي يقدمه هذا النظام لتل أبيب وواشنطن والعواصم الأوروبية أكبر بكثير مما يقدمه للإيرانيين على فرض أن ثمة تعارض ما في المصالح بين الطرفين، وهو فرض هزيل على كل حال.. لا بل أزيد جازماً بأن أي نظام "معتدل" في المنطقة لم يقدم معشار ما قدمه حكم الأقلية في دمشق لهذه العواصم مجتمعة، وهذا يفسر بالتأكيد عبارة "ارحل اليوم، واليوم يعني أمس" للدبلوماسية الأمريكية التي قيلت لمبارك بعد 15 يوماً من الثورة المصرية، وتلك التي تحفظت واشنطن أو غيرها عن قولها لبشار بعد 150 يوماً دامية من الثورة السورية، وهذا الدور الوظيفي أراد بشار أن يذكر به أولياء نعمته فعاث في مخيم الرمل فساداً وتقتيلاً، ليقول بلا مواربة إنني ما زلت حارسكم الأمين، وعدو فلسطين "الممانع"، وتلك كانت رسالته الواضحة، وإلا فما الداعي في خضم الثورة السورية التي لا تستطيع ميليشيات عائلة الأسد والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري و"حزب الله" والحرس الثوري إيقافها أن يوسع دائرة العداء باستهداف الفلسطينيين الآمنين للحد الذي يجعل مخيم اليرموك (أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا) يسارع هو الآخر إلى التظاهر نجدة للرمل؟ فهل يفتقر الأسد إلى الأعداء في سوريا ليعرب الخصومة بدلاً من إبقائها حكراً على سنة سوريا؟!

"بشار بدأ يفقد شرعيته".. "بشار يفقد تدريجياً شرعيته".. "بشار أوشك أن يفقد ما تبقى من شرعيته"، هكذا يدور الخطاب الغربي، وهكذا يفيد بوضوح أن الأسد الابن، أولاً: له شرعية، وثانياً: لم يفقدها بعد.. هذا ما نفهمه، أما ما وراء الأقوال؛ فذاك نظام لن يفرطوا فيه أبداً ما دام يستطيع أن يمسك بأوراق اللعبة، أما إذا ما تسربت من بين يديه ولم يتمكنوا من منحه قبلة الحياة؛ فسيبحثون عن تدويره وإعادة إنتاجه بنفس طائفيته وتعفنه الإنساني، أو في أقصى تقدير سيكون المراد تطعيم الجديد بالقديم المجرم، إن بدأت الانشقاقات في الجيش تأخذ منحى تصاعدياً سريعاً.

ولكن مهما يكن من أمر؛ فالسوريون هم من سيخطون بأيديهم ـ بعون الله سبحانه ـ الفصل الأخير من حكم الطاغية بشار ووالده الأشر، ولسوف لن تبقى لمبطل حجة للحديث عن دعم أمريكي أو أوروبي لثورة بدت نقية طاهرة حتى الآن، وازدانت بمئات من ملاحم البطولة وقصص التضحيات الرائعة، "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين"..

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة