كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة
عدد القراءات : 1074

الخطبة الأولى

خطبة الحاجة والوصية بالتقوى:

عباد الله: ثبت في صحيح مسلم من حديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وان تناصحوا فمن ولاه الله أمركم....)) [1].

عباد الله: هذا حديث عظيم جليل اشتمل على أربع قواعد من قواعد الإسلام:

الأولى: عبادة الله (الكلام على العبادة وجعل المسلم كل حياته عبادة لله).

الثانية: أن تكون العبادة خالصة لله، فلا يشرك معه في عبادته أحد.

وإذا علمنا أن العبادة شاملة لكل جوانب حياة المسلم، فكذلك الشرك يشمل جميع جوانب حياته: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

الثالثة: لزوم جماعة المسلمين، ولزوم جماعتهم على ضربين:

الأول: لزوم ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيها، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها)

هكذا يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - [2]، ويفهم من ذلك أن لزوم الجماعة يكون بلزوم ما كانوا عليه قبل التفرق والاختلاف، فيكون على عقيدتهم التي رضيها الله لهم، وعلى عبادتهم التي تعلموها من نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ما أجمعوا عليه من أحكام دينهم، فإن حققوا هذه الثلاثة الخصال فقد حققوا لزوم الجماعة، وحققوا محبة الله ورضوانه، فإن تخلفوا عن واحدة منها فقد تعرضوا للعقاب الشديد والضلال البعيد، قال الله - تعالى -: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وما حصل في الأمة من الفتن والصراعات والنزاعات إلا عندما خالفوا هذا المنهج.

الثاني: هو أن لزوم الجماعة هو لزوم جماعة المسلمين المجتمعين على طاعة من اجتمعوا على تأميره، قال الإمام الطبري - رحمه الله -: (والصواب أن المراد، الخبر بلزوم الجماعة الذي في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث عن بيعته فقد خرج عن الجماعة)[3].

وبهذا نعلم أن من أعظم أصول الإيمان وقواعد الشريعة لزوم جماعة المسلمين وأميرهم وعدم الخروج عليه أو نزع اليد من طاعته ما لم يظهر منه الكفر البواح الذي عندنا عليه من الله برهان.

هذه عقيدة أهل السنة والجماعة التي يلقنها علماؤهم وأئمتهم للأجيال جيلاً بعد جيل، ولذلك فإن الفتن والصراعات داخل كيان المسلمين لم تأت من قبل أهل السنة المتمسكين العاملين بها، وإنما تأتي حينما يخالف الناس هذا المنهج.

وأشهر المخالفين لهذا المنهج طائفتين:

الأولى هم الخوارج المكفرون بالذنب المستحلون لدماء الأمة وأموالها وأعراضها، والذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الخوارج كلاب النار))[4] ووصفهم بأنهم: ((يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية))[5] بسبب غلوهم.

الطائفة الثانية الرافضة تلك الفرقة الغالية، صنيعة اليهود أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي.

تلك الفرقة التي صورت الدين كله في مآربها وأهدافها السياسية وجعلت أعظم أصل من أصول الدين هو (الإمامة) فمن أجلها ينقضون العهود، ومن أجلها يخونون ويغدرون ويخرجون عن الجماعة، ومن أجلها يضحون بالعقيدة والأصول والأخلاق والسلوك، ومن أجلها يوالون الأعداء ضد المسلمين، وما حادثة سقوط بغداد وقتل خليفة المسلمين وتعريض مئات الآلاف من المؤمنين للقتل، تلك الحادثة التي تسبب فيها الوزير ابن العلقمي الرافضي ما هي بخافية على أحد.

وها هو التاريخ يعيد نفسه وهي الرافضة حينما تغلغلت إلى قلب هذا البلد (بلد الإيمان والحكمة، بلد أحفاد الأنصار وأبناء القادة العظام، الذين أدخلوا الدنيا تحت راية التوحيد.

ها هي تلك الفرقة المارقة الضالة حينما تسربت وأتيح لها المجال وغض عنها الطرف، ها هي تعيد تلك المناهج الضالة والمسالك الشانئة، وتعود إلى أصلها فتشعل الفتنة وتهدد الأمن وتسفك الدماء وتعبث في الأرض الفساد.

أيها الإخوة المؤمنون: إن الواجب هو: سرعة القضاء على هذه الفتنة قبل أن تستفحل، القضاء على كيانها وقوتها والقضاء على أفكارها الضالة ومنهجها المنحرف وتعاون الجميع على ذلك، كل في مجال اختصاصه، فأهل القوة والسلاح بقوتهم وسلاحهم وأهل الفكر والعلم بفكرهم وعلمهم ولا عذر اليوم لقادر على حماية هذا الوطن وهذه الأمة من شر هذه الفتنة، فإن التخلف عن القيام بما هو قادر عليه استفحال لهذه الشجرة الخبيثة والنبتة الشاذة، وعامة الأمة ولله الحمد بعلمائها ومثقفيها وسائر شرائحها جميعهم صف واحد في وجهها لم يتخلف عنها إلا الشواذ من أصحاب المطامع المشبوهين والأهداف المريبة، نعم إن الفئات المنبوذة في المجتمع الواقفة في صف الفتنة لا تمثل إلا نفسها، لا تمثل أمة، ولا تمثل وطن، ولا تمثل مصلحة عليا، بل هي ضد ذلك كله، وإن الحامل لهم على ذلك إنما هي الانحرافات المنهجية أو العصبيات الطائفية أو المكايدات الحزبية، وكل ذلك مرفوض في ميزان الإسلام الذي يعلمه الجميع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

الخطبة الثانية

القاعدة الرابعة: (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) والنصيحة لولاة الأمر كما قال ابن رجب- رحمه الله -هي: (فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله - عز وجل -، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله - عز وجل -)[6].

ومن النصيحة لهم: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم برفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأخيار على ذلك.

ومن هذا المنطلق فإننا ندين هذه الأعمال التخريبية والفتن العمياء، وندين كل من يقف إلى جانبها، وفي نفس الوقت فإننا ننصح للقيادة السياسية والحكومة بــالعدل في كل تصرفاتها، وقصر العقوبة على مستحقيها، والقضاء على أسباب الفتنة في مهدها من فساد أخلاقي ومالي وإداري، وظلم وتعدي على حقوق الناس، وترك المفسدين من غير أخذ على أيديهم ولا محاسبتهم ومعاقبتهم.

والحذر ممن سيتولون هذه الفتنة لإيقاع اليمن في فتنة أعظم منها من الأعداء الخارجيين والمنافقين في الداخل، وأن يفرق بين مناهج الحق والصواب و مناهج الفتنة والضلال.

______________________

[1] صحيح مسلم: كتاب الأقضية (3236).

[2] الرسالة 1 / 475

[3] فتح الباري 13 / 37

[4] روى ابن ماجه (173) عن ابن أبي أوفى و انظر حديث رقم: 3347 في صحيح الجامع

[5] رواه البخاري (ك: استتابة المرتدين والمعاتدين - رقم 6532 -6534).

[6] جامعه العلوم والحكم (2/80).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة