الشام واليمن والعراق.. بوابات الحصن ومبشرات النصر
عدد القراءات : 1975

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد..

فقد روى أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة: جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق، قال ابن حوالة: خِر لي يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ فقال: " عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده فأما إن أبيتم؛ فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم؛ فإن الله توكل لي بالشام وأهله)).

وعند البيهقي في الدلائل بسند صحيح قال ابن حوالة: فشكونا إليه العُري والفقر وقلة الشيء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (( أبشروا؛ فوالله! لأنا من كثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله! لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله - عز وجل - أرض فارس، وأرض الروم، وأرض حِمير، وحتى تكونوا أجناداً ثلاثة: جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن)).. الحديث.

في زمن الشدائد والمحن والملمات والحاجة والفاقة، وفي زمن الضعف والعوز وعدم التمكين يرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالته إلى أصحابه وإلى أمته من بعدهم أن حصن الأمة وقلعتها في مأمن إذا ما أغلقت أبواب الحصن قبالة أطماع الطامعين وغزوات الحاقدين.

وأبواب الحصن لبيضة الأمة وحوزتها هي الشام واليمن والعراق، فالشام لما وراءها من الروم واليمن لما وراءها من الحبشة والعراق لما وراءه من فارس، ومتى ما أصيبت الأمة في خاصرتها من تلك الأبواب فإن خطراً عظيماً يهدد دين الأمة وعقيدتها وركائزها، رغم أن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المشار إليه آنفاً قبل فتح اليمن والشام والعراق، فهو مبشر لنصر الأمة من جهة وهو تحذير لها من أن تقع فريسة التمزق إن هي فرطت في إحكام بواباتها.

إن مثل هذا الترابط بين الشام واليمن والعراق ليس وليد تلك اللحظة بل هو مشروع استراتيجي يدفع عن هوية الأمة ما يمكن أن يلحقها من أذى وما يمكن أن يصيبها من حيف، ولنا في قصة مكة يوم أن عاشت قريش فيها ردحاً من الزمان بواد غير ذي زرع يقتاتون على ما يصل إليهم من طعام رغم قلته فهلكوا أو كادوا حتى امتن الله عليهم برحلة في الشتاء إلى اليمن جنوباً وأخرى في الصيف إلى الشام شمالاً، فقال - سبحانه - في معرض الامتنان في سورة أسماها قريش: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

فعبادة البيت ومعيشة زائريه وأمنهم وسلامتهم متعلقة بالشام واليمن فإحكام تلك المنافذ من شأنه أن يعود بالرخاء على الأمة بأسرها وعلى عاصمتها مكة المكرمة حماها الله بالخصوص.

إن فهم الصحابة لهذا المدلول واضح بيّن فعن ابن عمر بسند صحيح أخرجه الطبراني وله رواية قريبة عند البخاري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك في يمننا))، فقالها مراراً، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: " يا رسول الله وفي عراقنا؟" فكأن الصحابة عرفوا مقصد تلك المنافذ لجسد الأمة وخاصرتها، فأرادوا أن يشملوا العراق بدعوته - عليه الصلاة والسلام -.

إنه الارتباط التاريخي العجيب بين تلك الجهات وبين مركز إدارة القيادة في الأمة مكة المكرمة ليبدأ النبي - عليه الصلاة والسلام - بالتأكيد على هذا المفهوم بإرسال أول الوفود إلى اليمن في الشتاء، فيبعث أبا موسى الأشعري ومعاذ ابن جبل ثم يردف بعلي ابن أبي طالب رضي الله عن الجميع، وبعدها يحقق رحلة الصيف إلى تخوم الشام بجيش مؤتة يقوده زيد ابن حارثة وجعفر ابن أبي طالب وعبد الله بن رواحة رضي الله عن الجميع، ثم تحال المهمة إلى الفاروق - رضي الله عنه - ليكمل مشوار حماية الدولة بفتح الشام على يد خالد ابن الوليد والعراق على يد سعد ابن ابي وقاص والقعقاع وغيرهم من أفاضل الأصحاب.

فتكتمل المهمة وتبدأ مرحلة جديدة.. إنها الشام شام خالد وأبي عبيدة ويزيد ابن أبي سفيان وابن تيمية وابن القيم، إنها اليمن يمن أبي موسى وأويس، إنه العراق عراق سعد وابن مسعود والزبير وطلحة وأبي حنيفة وأحمد، إنه تاريخ الأمة بأسره وإذا ما أرادت الأمة استعادة العافية فإنه ينبغي لها أن تحكم أبواب دولتها وتطهر ثغور قلعتها لتعيد المجد من جديد.

ونحن نعيش هذه الأيام ثورات الربيع العربي التي لاحت بشائرها الأولى في اليمن جنوباً وامتدت إلى الشام شمالاً فكلنا أمل في شباب ورجال هذه الأمة أن يكملوا مشوارهم في صيانة حمى هذا الدين وأسوار قلعة التوحيد والفتح قريب كما أشار إليه - عليه الصلاة والسلام - وهو في شدة أزمته يوم الخندق والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل من رواية البراء ابن عازب قال: " أمر رسول الله بحفر الخندق قال: وعرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول فشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فأخذ المعول ـ قال: وأحسبه قال: وضع ثوبه ـ فضرب ضربة وقال: (( بسم الله فكسر ثلث الصخرة ثم قال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام إني لأنظر إلى قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلثها وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر إلى المدائن وقصرها الأبيض من مكاني هذا ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر بقية الحجر وقال:الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأنظر إلى مفاتيح صنعاء من مكاني هذا)).

فالشام واليمن والعراق...خط الدفاع الأول وبوابات الحصن وفتحها من مبشرات النصر القادم بإذن الله - تعالى -.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
عبدالواحدهزاع فرحان الشرعبي
اليمن
2013/08/02
أسأل الله تعالى أن يكتب ماكتبت يداك في ميزان حسناتك أسأل الله تعالى أن يرزقك الفهم السليم والعلم النافع والعمل الصالح