المسلم ودوره في إسعاد من حوله
عدد القراءات : 9313

الخطبة الأولى

الحمدُ لله فاطرِ الأرض والسموات، عالم الأسرار والخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، يعلم ما بين أيديهم وما خلفَهم ولا يحيطون به علماً، لا تدركه الأبصار، ولا تغيره الدهور والأعصار، ولا تتوهّمه الظنون والأفكار، وكل شيء عنده بمقدار، أتقن كلَّ ما صنعه وأحكمه، وأحصى كلَّ شيء وقدره وخلق الإنسان وعلّمه.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف الحق والتزامه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صدع بالحق وأسمعه، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وسائر من نصره وكرمه وسلم تسليماً كثيراً أمَّا بَعْد: -

عباد الله: لقد كان من الأهداف التي سعى الإسلام إلى تحقيقها من خلال تشريعاته وأحكامه وتوجيهاته إيجاد مجتمع مسلم آمن مطمئن تحوطه أواصر الطمأنينة وتظله أغصان السكينة، وتسود بين أفراده قيم المحبة والتعاون والألفة وإحساس كل فردٍ بالآخرين من حوله وبذل الجهد لإسعادهم وإدخال السرور عليهم سواء كانوا آباء أو أزواج أو أبناء أو جيران وأصحاب وحتى عامة الناس وجعل الإسلام هذا الأمر من الدين ورتب عليه - سبحانه وتعالى- الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.. وجعل - سبحانه وتعالى - إدخال السرور على المسلم من أحب الأعمال إليه بعد الفرائض قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرور تدخله على مسلم)). صحيح الجامع للألباني (176).. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (( إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن، وأن يفرِّج عنه غمًا، أو يقضي عنه دينًا، أو يطعمه من جوع)) (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في الصحيحة 1494)..

إن المسلم لن يعدم طريقاً لإدخال السرور على أخيه المسلم، في تبشيره بالبشرى تارة أو إخباره بأخبار الخير التي ينتظرها تارة أو بقضاء دينه أو بالهدية أو بإخباره أنه يحبه في الله أو بإكرام أهله وولده وصحبه أو بتعليمه العلم النافع له أو بتوقيره بين الناس أو بتقديم بالنصح له والقيام معه في قضاء حوائجه وقد يكون إدخال السرور على المسلم بزيارته وتفقد أحواله وعيادته عند مرضه وقد يكون حتى بكلمة طيبة أو ابتسامة في وجهه.. ويقول - عليه الصلاة والسلام-: ((ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله - تعالى-قدمه يوم تزل الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل ". صحيح الجامع للألباني (176) والله - تعالى -يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(الحج: 77).

وإن من طالت به خبرته بالحياة ليعلم أن أعلى الناس فيها قدراً هم الناصحون لغيرهم والمفرجون كرب الناس والميسرون على المعسرين والباذلون جهدهم لإسعاد غيرهم.. وهذا هو واجب كل مسلم مع من حوله حسب استطاعته وقدرته.

عباد الله: إن أفراد المجتمع المسلم ليحتاج بعضهم إلى بعض فالحياة جبلت على كدر وسنة الله في عبادة الابتلاء والامتحان، تارة بالفقر وتارة بالعجز وتارة بالولد والأهل وتارة بالعمل والكسب وتارة بالجسد والصحة وتارة بأحوال الدهر وتقلبات الزمان وإن مما يهون على المرء بعد لطف الله وتوفيقه تعاون إخوانه وأهله وجيرانه بل وأفراد المجتمع من حوله والله - تعالى -يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). (المائدة: 2) وأي برٍ أعظم من إدخال السعادة والسرور على المسلم..

لقد كان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجاً ليقضي له حاجته، فيقول: " ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها.. "

... ألا بشروا من يسعى في إدخال السرور على الناس وقضاء حوائجهم بقضاء حوائجه ففي الصحيحين عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (البخاري، المظالم والغصب، ح2262). فمن كان الله في حاجته أتظنون أنه يخيب..؟ ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس شأناً في هذا الأمر فقد بذل وقته وجهده وماله وطعامه لإسعاد الآخرين، بل اسعد أمة الإسلام وشعوبها بحبه ورحمته وحرصه على هدايتهم ونجاتهم بل كان - صلى الله عليه وسلم - سبباً في سعادة العالم بعد قرون من التخبط والتعاسة والضلال قال - سبحانه وتعالى -: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة/128).. يأتي ذات يومٍ - صلى الله عليه وسلم - فيرى عمير بن مالك حزينا فيقول: (( مالي أرى أبا عمير حزيناً؟)) وأبو عمير هذا ليس رجلاً عمره أربعون سنه أو في سن أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -، لا، أبو عمير هذا غلام عمره خمس سنوات أخ لأنس بن مالك من أمه.. قالوا يا رسول الله: كان له عصفور يلعب به فمات العصفور فأقبل - صلى الله عليه وسلم- إليه يمازحه... يمازح طفل عمره خمس سنوات للمواساة وإدخال السعادة والسرور عليه ويقول له - صلى الله عليه وسلم -: (( يا أبى عمير ما فعل النغير؟)) (النغير هو العصفور الصغير) فيضحك الصبي ويقول مات يا رسول الله مات يا رسول الله.... (البخاري (3947)..

وهذا ا بن المبارك عليه رحمة الله حج مع جمع من أهل مرو فلما كانوا في منتصف الطريق نزلوا في مكان ليستريحوا قليلاً بجانب قرية من القرى وبينما هم كذلك إذ بهم يرون امرأة قد أخذت دجاجة ميتة كانت قي عرض الطريق فسأله بن المبارك لما يا أمة الله قالت: لقد أصيب أهل هذه القرية بالمرض والجوع ولي صبية صغار والله ما أجد ما أطعمهم فتأثر بن المبارك ومن معه ونادى فيهم ليس لكم حج هذا العام وأخذ الأموال والطعام ودفعها إلى أهل تلك القرية فأدخل السرور عليهم وقضى حاجتهم وعاد إلى بلاده... كم من الأجر سيناله وكم من الدعوات تلهج بها السنة الفقراء والمحتاجين والأيتام ستطاله؟.. ما أروع أصحاب هذه النفوس الطاهرة الذين يسعون دوما في إدخال السعادة و السرور على إخوانهم، فيسألون عن أحوالهم ويسارعون في نجدة ملهوفهم، وعيادة مريضهم وإعانة محتاجهم وحل مشكلاتهم مهما كلفهم ذلك، تعباً في أجسادهم أو بذلا من أموالهم أو شغلا في أوقاتهم، يبتغون بذلك مرضاة ربهم.. اللهم أصلح فساد قلوبِنا وأرحم ضعفنا وحسن أخلاقنا ووفقنا إلى كل خير

قلت ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

عباد الله: - لنحرِص جميعاً على إدخالِ السرورِ على قلوبِ الناس من حولنا بما نستطيع وخاصة في هذه الأيام وحال الكثير منهم قد زادت سوءا وظهر الجشع والاحتكار.. فإن ذلك من أعظمِ الأعمال عند الله - تعالى- وأرفعِها في الدرجة، فلا يفوت المسلم هذا الخلق الكريم الذي دعاه إليه الإسلام ونبيه العظيم - صلى الله عليه وسلم -.. وهذا ورمضان يطرق الأبواب فلنستعد له بنية خالصة ولنستبشر ولنفرح بمواسم العبادات والطاعات لما فيها من الفضائل والمنح والجوائز الربانية ولنحسن العمل من الآن لعل الله أن يفرج على البلاد والعباد ويصلح الشأن ويؤلف بين القلوب ولنعرض أعمالنا على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليعرف المسلم موقفه وموقعة من هدي ربه.. هذا الأحنف بن قيس كان جالساً يوما فجال بخاطره قوله تعالي: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 10] فقال: عليّ بالمصحف لألتمس ذكري حتى اعلم من أنا وما هي أعمالي؟ فمر بقوم قال - تعالى -فيهم: (كانوا قليلاُ من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) (الذاريات/17-19). ومر بقوم قال - تعالى –فيهم: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 134] ومر بقوم وهو يقرأ في كتاب الله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9]. فقال تواضعاُ منه: اللهم لست أعرف نفسي في هؤلاء ثم أخذ يقرأ فمر بقوم قال - تعالى -فيهم (إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)[الصافات: 35]. ومر بقوم: يقال لهم (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين) [المدّثر 42-44] فقال: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء حتى مر على قومٍ قال الله فيهم: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[التوبة: 102]. فقال: اللهم أني من هؤلاء.. فاغفر اللهم الذنوب واستر العيوب وتجاوز عن السيئات وبلغنا رمضان بتوبة نصوح وعمل صالح وأمن وأمان على بلادنا وسائر بلاد المسلمين..

هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البريّة وأزكى البشريّة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحبِ الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبّحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون، فقال - جل وعلا -: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]

والحمد لله رب العالمين

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
مجيب القادري
اليمن
2015/11/27
جزاكم الله خيرا على هذا الموقع
عبدالرحمن الحسني
اليمن
2016/07/29
جزاكم الله خيرا ولو امكنةتنزلوا الخطب بصيغة pdf لنستفيد من الخطب اكثر