رمضان موسم التربية الاقتصادية
الكاتب : أمل خيري
عدد القراءات : 1744

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي عن شهر رمضان: "ألا ما أعظمك يا شهر رمضان، لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك .. مدرسة الثلاثين يوما..".

وفي هذه المدرسة الرمضانية السنوية نتعلم دروسا اقتصادية عديدة تسهم في التربية الاقتصادية المتكاملة للشخصية المسلمة ومن أهم هذه الدروس والأسرار الاقتصادية للصوم:

-      ترشيد السلوك الاستهلاكي:

من أعظم دروس الصوم التي نغفل عنها بل ونتعمد مخالفتها تدريب الفرد على توازن السلوك الاقتصادي عبر تقليل كمية الاستهلاك الغذائي فالأصل في الصوم أنه امتناع عن الاستهلاك خلال فترة النهار التي تمتد إلى ما يزيد عن 15 ساعة وهي عادة الفترة التي يحتاج فيها الإنسان إلى الاستهلاك. ومن المفترض أن تخفيض عدد الوجبات من ثلاثة إلى اثنين يعني انخفاض ثلث الاستهلاك الطبيعي للفرد ومن ثم توجيهه نحو الادخار من جهة، والحفاظ على مستوى أسعار السلع من جهة أخرى، ولكننا بدلا من ذلك نزيد من استهلاكنا في رمضان لدرجة تصل إلى التبذير مما يؤدي لارتفاع الأسعار ومزيد من الاعتماد على الخارج في تلبية حاجاتنا الغذائية، مخالفين قوله - تعالى -: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[الأعراف31].

-      إعادة توزيع الثروة وتقريب الفوارق بين الطبقات:

شرع الإسلام أحكاما مالية متعلقة بالصوم بقصد إعادة توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع، ومن بين هذه الأحكام فدية العجز عن الصوم، وصدقة الفطر، وبعض الكفارات، إضافة إلى الجود والكرم والصدقات التطوعية التي توجه لصالح الفقراء والمحتاجين، وكل ذلك من شأنه أن يحدث توزان بين الدخول: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)[الحشر 7]، ولا شك أن ذلك يعود على المجتمع بتنشيط اقتصاده ودوران عجلة الإنتاج إذ يقبل الفقراء على شراء احتياجاتهم الأساسية فيزيد الاستهلاك ومن ثم الإنتاج وتنتعش الأسواق مما ينعكس في النهاية على الاقتصاد الكلي للدولة. لذا فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان ابن عمر -رضي لله عنهما- لا يفطر إلا مع المساكين، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه إياه، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا.

-      زيادة الإنتاج وتحسين كفاءته:

يرتبط الصوم لدى البعض بالكسل والخمول خلافا لما ينبغي أن يكون عليه الحال، فالصيام وسيلة لمضاعفة الجهد وتربية للمؤمن على التحمل والصبر، لذا فإن الصوم ارتبط لدى سلفنا الصالح بالعمل والإنتاج وكثير من الانجازات والانتصارات لم تتحقق إلا في رمضان.

وكما يزيد الإنتاج تتحسن أيضا نوعيته، إذ أن البعد الروحي للصوم يدفع المسلم لمزيد من الإتقان والأمانة والرغبة في تحري الحلال والابتعاد عن كل مظاهر الحرام كالربا والغش والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل مما ينعكس بالإيجاب على العملية الإنتاجية.

-      تخفيض الإنفاق على الصحة:

تؤكد كثير من الدراسات على الفوائد الصحية للصوم عبر تقليل الوجبات اليومية والامتناع عن الطعام والشراب طيلة النهار مما يؤدي إلى راحة الجهاز الهضمي والتخلص من السموم والفضلات المتراكبة على مدار إحدى عشر شهرا، ولكي ندرك أهمية الصوم الصحية يكفي أن نذكر أن ألمانيا افتتحت مستشفيات خاصة لا تعالج إلا بالصوم على الطريقة الإسلامية، وقد أثبتت هذه الوسيلة فعاليتها، وحين سأل كسرى طبيباً: ما الداء الذي لا دواء له؟ قال له: إدخال الطعام على الطعام، فذاك الذي أفنى البرية وقتل سبع البرية. ولذا جاء في الحديث الشريف: ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)).

كما ذكرت بعض الدراسات أن صلاة التراويح تزيد من معدل التمثيل الغذائي في العضلات مما يؤدي لتوسيع الأوعية الدموية ومن ثم تقوية عضلة القلب وتنشيط الدورة الدموية.

ومن منظور اقتصادي فإن تحسين الجانب الصحي يترتب عليه تخفيض النفقات والأموال التي ينفقها الفرد على علاج الأمراض مما يعد توفيرا لهذا الأموال وإنفاقها في سلع استهلاكية أو استثمارية أخرى مما ينعش الأسواق وينمي الاقتصاد، كما يخفض من إنفاق الدولة على الصحة وتوجيه هذه الأموال لمجالات أخرى وذلك إذا التزمنا بالهدي النبوي والتعاليم الإسلامية الصحيحة.

-      تنمية الموارد البشرية:

يعد العنصر البشري من أهم عناصر الإنتاج الاقتصادي والتي يجب العمل على الحفاظ عليها وتنميتها، ومن بين ما يهتم به علم التنمية البشرية تنمية قدرات الإنسان، وطاقاته البدنية والعقلية والنفسية والروحية، ولا شك أن شهر رمضان يمنح الفرصة لتدريب العنصر البشري على ضبط النفس وحسن التعامل مع الآخرين وتحسين المزاج الانفعالي وطيب الأخلاق، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم" (رواه البخاري ومسلم)، فإذا التزم الصائم بهذه الأخلاقيات لانعكس بالإيجاب على المجتمع ولزاد الترابط بين أفراده من جهة وتحسين بيئة العمل وسيادة الأخلاق داخل مؤسسات الدولة من جهة أخرى مما يؤدي للارتقاء بالعنصر البشري كأحد أهم عناصر الإنتاج.

-      استجلاب البركة الاقتصادية:

"يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أتاكم رمضان شهر بركة))[رواه الطبراني]، كما قال: ((يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر يزاد فيه رزق المؤمن))[رواه ابن خزيمة].

وفي هذا الشهر المبارك نتعلم المعنى الاقتصادي للبركة والذي يدفعنا إلى مضاعفة الحسنات والمسابقة في الخيرات ولا شك أن الحكمة الأساسية من فرض الصيام تتمثل في الوصول إلى التقوى لقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة 183]، وهذه التقوى تعد سببا من أسباب الرزق والبركة كما في قوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)[الأعراف 96].

ومن ثم فإن الصوم يكون سببا في استجلاب الرزق بمعناه المادي والبركة بمعناها الروحي والمعنوي، ومن الأهمية بمكان أن توجه هذه البركة والزيادة في الرزق إلى الادخار والبر ولكننا بدلا من ذلك وجهناها إلى زيادة الاستهلاك والإسراف وصدق فينا قول الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون: "إن العرب لا يعرفون كيف يصنعون الثروة، ولكنهم يعرفون جيدا كيف ينفقونها".

هذه بعض المعاني الاقتصادية التي يمكننا أن نتعلمها من مدرسة الصوم في رمضان التي تقدم لنا كورسا تربويا مكثفا يتكرر كل عام ليمنحنا الفرصة لتجديد الإيمان وتعظيم المنافع الاقتصادية في الوقت ذاته.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة