سياسة الناس وإدارة شؤونهم وتنظيم علاقاتهم وتوجيه سلوكياتهم من أعظم الأعمال في حياة المجتمعات والشعوب والحضارات والأمم فقد اقتضت سنة الله في خلقه أنه لا يصلح حالهم ولا تستقيم حياتهم إلا ظل وجود الحاكم أو الأمير أو الملك أو الرئيس والزعيم فيقيم فيهم العدل ويدفع الظلم وينظم الحياة ويمنع الفوضى ويحافظ على الحقوق وينصح لأمته وشعبه، يأمن في وجوده الخائف ويقوى الضعيف ويرتدع الظالم وتصان الأعراض وتعصم الدماء وتقام الحدود ويحفظ الدين فإذا لم يكن في حياة الشعوب والمجتمعات والدول من يتولى إدارة حياتهم تحولت إلى فوضى وصراعات واختلافات لا تنتهي ولا تقوم بعدها حياة.

لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ *** وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا.

ومتى ما كان هذا الحاكم قريباً من الخير، قريباً من الحق كلما سعدت به أمته وأطاعته رعيته واجتمعت حوله القلوب ولهجت بالثناء عليه الألسن وخلد التاريخ ذكره وكتب له التوفيق والسداد وأجرى الله على يديه كل تغيير وتحول وإنجاز في حياة أمته وشعبه.

ولما كان الهدف من الحكم واضحاً ووظيفة الحاكم بينة وظاهرة وتقوى الله والخوف منه ومراقبته تملأ القلوب ظهر في حياة المسلمين حكام وأمراء وولاة، حكموا وعدلوا ونصحوا وبينوا ما زالت مآثرهم إلى اليوم، عدلاً ورحمةً وشفقةً بأمتهم وشعوبهم؛ لأنهم استشعروا هذه الأمانة وأدركوا أن السلطة تكليف وليست تشريفًا، فقد اختارهم الشعب وبايعهم بالرئاسة لكفاءتهم، وبايعهم على السمع والطاعة، وجعلهم وكلاء عنه في حماية أمور الدين وتدبير شئون الحياة، ومن حق الشعب أن يراقبهم ويحاسبهم، أو يعزلهم إذا انحرفوا فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالعدل يقول عندما استلم الحكم: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم.

ولم تكن العلاقة بين الحاكم والرعية قائمة على الخيانة والتآمر وعدم الثقة ولم يكن هناك عنف أو استبداد أو ظلم أو تعدٍ على الحقوق أو تنصل من الواجبات ولا هناك تعذيب ممنهج وسجون تحت الأرض وأجهزة قمع مختلفة لترهيب الشعوب ولكن كان هناك عدل وحزم وحب وكرامة.. فقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن هذه العلاقة قائمة على الحب والتآلف والرحمة فعن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتُصلّون عليهم ويُصلّون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة )) (رواه مسلم).. وقد حذر الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالة لولاته وأمرائه في جميع الأمصار وخاطب بذلك الراعي والرعية حتى لا يكون العنف والظلم والجشع والتكبر والاستعلاء هو أساس العلاقة بينهم فقال رضي الله - تعالى -عنه: "إني والله! ما أُرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلِّموكم دينكم وسنتكم؛ فمن فُعِلَ به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ؛ فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنِّه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَ رأيت أن كان رجل من المسلمين على رعية فأدَّب بعض رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذاً لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّروهم (تجمروهم: جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إِلى أَهليهم) فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفِّروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (جمع غَيْضة وهي الشجر المُلْتَفّ لأَنهم إِذا نزَلُوها تفرّقوا فيها فتمكَّن منهم العدوّ) "(أخرجه أحمد / 273، وأبو داود / 3933)

يا الله.. أي رحمة هذه وأي شفقة هذه؟ وأي حبٍ هذا؟ وأي استشعار للمسئولية وقر في قلوبهم واستعظمته نفوسهم؟

لقد كتب الحسن البصري - رحمه الله - رسالة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - بين له الحاكم العادل والشروط التي يجب أن تتوفر فيه فكان مما قال:أعلم يا أمير المؤمنين: أن الله جعل الإمام العادل قوَّام كل مائل وقصد كل جائر، وصلاح كل مفسد، وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى ويزودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر.

والإمام العادل، يا أمير المؤمنين، كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغيراً، ويعلمهم كباراً، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العادل، يا أمير المؤمنين، كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها: حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وربته طفلاً تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.

 والإمام العادل، يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين: يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم،.. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح: تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده، والإمام العادل، يا أمير المؤمنين، هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين، فيما ملكك الله كعبد إئتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدل المال وشرد العيال، فأفقر أهله، وفرق ماله. وأعلم يا أمير المؤمنين إن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟... ) (الحسن البصري لابن الجوزي صـ56).

هذا هو الحاكم الذي لا يمكن أن يطالب بالرحيل أبداً.. وإن رحل عن الدنيا بقدر الله واجله فلن يرحل عن قلوب الرعية ويوم القيامة سيكون ملك عظيم وسيداً جليل يقف على يمين الرحمن الملك جل جلاله في جنات تجري من تحتها الأنهار.

لقد أحسن البصري في رسالته وأجاد ولنا أن نتساءل اليوم كيف سيكون حال الرعية إذا قتلهم من يقتص لهم؟ كيف سيكون الحال إذا خوفهم ممن يجب أن يوفر لهم الأمن؟ وكيف سيكون الحال إذا شيد لهم السجون وأقام لهم المعتقلات وزرع بينهم الفتن ونهب ثرواتهم ممن ينتظر منه السهر على راحتهم والعمل على سعادتهم؟ كيف سيكون الحال إذا اشترى الحاكم الأسلحة ووسائل التدمير والخوف والرعب من أموال الشعب ثم سلطها على شعبه يسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ليبقى حاكماً ورئيساً؟ هل يعقل هذا وهل وصل الانحراف في فهم هذا المنصب وتبعاته والحرص عليه إلى هذه الدرجة من الانحطاط الأخلاقي والقيمي في النفوس؟

يا أيها الحكام... هل يعقل أن يقوم حاكم بقتل شعبه وإحراقهم وتدمير المدن والقرى وقتل النساء والأطفال بالصواريخ والطائرات والقنابل العنقودية والتجويع والتخويف والمقابر الجماعية ثم يريد أن يكون حاكماً عليهم؟ ولا يطالب بالرحيل؟ ولا تصرخ في وجهه أصوات المعذبين والمضطهدين والجوعى؟ من أين جاء بهذه القدسية؟ وبهذه الحصانة؟ وبهذا الحق؟

يا أيها الحكام.. أين مراقبة الله والخوف منه؟ وأين الاستعداد للقائه؟ وهل يعتقد هذا الحاكم أن سيخلد؟ وأنه سيكون في مأمن من الله وبطشه وعقابه؟ ولماذا لا يعتبر بمن سبقه وجمع الأموال وبنى القلاع والقصور ودرب الجيوش وجاء بالأتباع ثم جاء أمر الله فلم يغني عنه من الله شيئاً.. يروى أن ملكاً من الملوك بنى قصراً وشيده وزينه، ثم إنه دعا الناس لزيارته وقال: لجنوده من عاب منه شيئاً فأصلحوه، وأتوا به إليّ فكان الناس يطوفون في هذا القصر وينظرون إلى غرفاته وشرفاته وحدائقه ونقوشه مبهورين بجماله مندهشين لروعته فلم يجدوا عيباً وهكذا جماعة بعد جماعة وفوج بعد فوج فكان حراس الملك يسألونهم هل وجدتم عيباً في هذا القصر قالوا: لم نجد عيب ثم إنه جاء رجل في آخر الناس من بلاد بعيدة عليه آثار السفر فطاف بالقصر ورأى ما فيه فلما هم بالخروج من ذلك القصر، سأله الجنود هل وجدت فيه عيباً فقال الرجل: لقد وجدتُ فيه عيبان فأعلنت حالة الطوارئ، وقالوا: إن الملك ما كان ليرضى بعيب واحد وأنت وجدت عيبين... وأخذ الرجل إلى الملك فسأله ما هما، قال أيها الملك العيب الأول: إن هذا القصر لابد وأن يأتي عليه يوم و يتهدم ويعتريه الخراب، والعيب الثاني: أن صاحب هذا القصر لابد وأن يأتي عليه يومُ يموت فيه، فبكى الملك، وذكر حاله ومآله وتقصيره وقال لمن حوله دلوني على قصر لا يهدم ولا يموت صاحبه، قالوا: إن هذا أيها الملك لا يكون إلا في الجنة.. ونحن نذكر حكامنا بذلك.. نقول لهم: راقبوا ربكم واخشوا يوماً لا ينفع فيه المال ولا السلطان وقوموا بمسئولياتكم وأدوا واجباتكم وارحموا شعوبكم وسنكون عوناً لكم وجنوداً في خدمتكم وسهاماً في صدور أعدائكم وإذا لم يكن ذلك.. فأفسحوا الطريق لغيركم فلن تعجز الأمة أن تنجب من يجري الله على يديه الخير ويعمر به الأوطان ويكون حاكماً عادلاً فيفتح الله له بركات السماء والأرض وينعم بوجوده الإنسان والحيوان والطير عندما يستشعر المسئولية والواجب الملقى على عاتقه.

جاء في صحيح البخاري من حديث معقل بن يسار أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ))(7150).. وفي لفظ: " رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: (( مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ))(7151).

وانظروا إلى عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة تقول زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مُصَلَّاهُ وَاضِعًا خَدَّهُ عَلَى يده ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ، وَالْيَتِيمِ الْمَكْسُورِ، وَالْأَرْمَلَةِ الْوَحِيدَةِ وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ. وَالْغَرِيبِ وَالْأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ، وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي - عز وجل - سَيَسْأَلُنِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ خَصْمِي دُونَهُمْ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -، فَخَشِيتُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِي حُجَّةٌ عِنْدَ خُصُومَتِهِ، فَرَحِمْتُ نَفْسِي فَبَكَيْتُ.. ) (البداية والنهاية(9/ 201).. هذا هو الحاكم الذي لا يمكن أن يرحل أو يطالب بالرحيل وإن عمر بن عبد العزيز نموذجاً لهذا الحاكم الذي لم يرحل من حياتنا حتى وقد مات قبل قرون من الزمان.. لم يرحل.. ولم يطالب أحد برحيله إلى اليوم وإنما يتمنى الكل أن يعود ليبقى ملكاً وحاكماً ولعل الله يبعث من مثله من يشيد لهذه الأمة مجدها وتاريخا وحضارتها من جديد وما ذلك على الله بعزيز.. لقد قال أحبار اليهود وقساوسة النصارى عند موته لقد رفع العدل من الأرض.

يا أيها الحكام.. العلاقة بينكم وبين رعيتكم قائمة على الحب والتآلف والتعاون والسمع والطاعة في المنشط والمكره فلماذا حولتموها في كثير من بلاد المسلمين إلى جحيم لا يطاق وعداوة لا تنتهي وحرب ضروس.. أين الوطنية التي ناديتم بها طوال حياتكم ألا يستحق هذا الوطن أن يعطى حقه من الرعاية؟ ألا تستحق هذه الشعوب أن تحيا كشعوب الأرض يسود حياتها العدل والقانون والأمن والحرية والكرامة ولن يطالبكم أحد بالرحيل أبداً... ألا تستحق هذه الأوطان أن ترحلوا إذا كان في ذلك حياة للبلاد والعباد.

ألا تذكرون الموت والموقف الرهيب يوم القيامة... لما خرج هارون الرشيد يوماً في رحلة صيد فمرّ برجل يقال له بُهلول قد اعتزل الناس وعاش وحيداً.. فقال هارون: عظني يا بُهلول قال: يا أمير المؤمنين!! أين آباؤك وأجدادك؟ من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبيك؟ قال هارون: ماتوا.. قال: فأين قصورهم؟ قال: تلك قصورهم.. قال: وأين قبورهم؟ قال: هذه قبورهم.. فقال بُهلول: تلك قصورهم.. وهذه قبورهم.. فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟ قال: صدقت.. زدني يا بهلول.. قال: أما قصورك في الدنيا فواسعة فليت قبرك بعد الموت يتسع فبكى هارون وقال: زدني فقال: يا أمير المؤمنين: قد ولاك الله فلا يرى منك تقصير ولا تفريط فزاد بكاءه وقال: زدني يا بهلول.. فقال: يا أمير المؤمنين:

هب أنك ملكت كنوز كسرى *** وعُمرت السنين فكان ماذا؟

أليس القبر غاية كل حيٍ *** وتُسأل بعده عن كل هذا؟

قال:بلى.. ثم رجع هارون ولم يكمل رحلة الصيد تلك.. وانطرح على فراشه مريضاً.. ولم تمضِ عليه أيام حتى نزل به الموت.

إنه لا بد من إفاقة وإلا فإن سنن الله بالمرصاد.. وما ربك بظلام للعباد.. ولنستعد جميعاً للرحيل.. انتهى.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة